منتدى موظفي العدل
مرحبا بك على صفحات منتدى موظفي العدل ،المشاركة الفعالة هدفنا وهدفك ، ساهم في تنمية متجددة من أجل وضعية افضل ووعي متميز.

منتدى موظفي العدل

هذا المنتدى مجلس لجميع موظفي العدل من أجل وعي متجدد وعطاء مستمر ومعلومات ومستجدات تهم كل ما له صلة بموظفي العدل ومفتوح لكل غاية مفيدة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  القضاء في خدمة المواطن... و دور كتابة الضبط (الفصل الأول/الجزء الأول)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mourif_sdj



عدد المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 14/08/2011
العمر : 35
الموقع : morif_198333@hotmail.com

مُساهمةموضوع: القضاء في خدمة المواطن... و دور كتابة الضبط (الفصل الأول/الجزء الأول)   الخميس يناير 05, 2012 7:27 pm

]ملاحظة: كلفت من طرف رئيس مصلحة كتابة الضبط بإعداد هذا الموضوع لعرضه في يونيو المقبل إنشاء الله،و أحببت أن أنشره في هذا المنتدى أولا لمكانة أعضاءه العزيزة لدي،وثانيا طمعا في إرشاداتكم و ملاحظاتكم و كذا إنتقاداتكم البناءة التي سأعتمد عليها حتما في الصياغة الأخيرة لهذا العرض المتواضع، و لكم مني جزيل الشكر و الإمتنان.



القضاء في خدمة المواطن....
و دور كتابة الضبط



من إعداد: عمر الموريف
منتدب قضائي
بمحكمة الإستئناف بورزازات









تمهيد

لا شك أن القفزة النوعية التي تعرفها الدولة المغربية منذ إعتلال جلالة الملك محمد السادس لسدة العرش قد أدخلت كل مكونات المملكة في خضم النهضــــــة و التقدم،هذا الأخير الذي عرف مسارا جديد بصدور الدستور الجديد المصـــــوت عليه في استفتاء الفاتح من يوليو من سنة 2011 و الذي إختار من خلالـــــــــه المغاربة مسايرة الربيع العربي,_لكن بخصوصية مغربية قحة_من جهة،و مواكبا للتطورات التي تعرفها الساحة العالمية من جهة أخرى. و كطفرة نحو تحقيـــــــق الرقي بالإنسان في كافة المجالات ما دام أن الأخير يعتبر العنصر الهدف في كــــل مشروع إجتماعي أو إقتصادي أو سياسي.
و تظل المؤسسة القضائية من بين المؤسسات التي حظيت بالأولوية سواء مـن طرف عاهل البلاد، أو الحكومة،أو القوى السياسية،أو مختلف مكونات المجتمـــع المدني . ذلك لأن القضاء(1) يعد الركيزة التي إن صلحت صلحت معها الدولة ما دام أنة يسعى إلى تقوية دور المؤسسات و سيادة القانون،وتحصـــين المجتمـــــــــع ، و تعزيز الأمن و الطمأنينة ، وتشجيع الإستثمارو دعم التنميـــــــــــــة الشامــــــلة و المستدامة.
وقد عرفت المؤسسة القضائية _كغيرها من المؤسسات الأخرى_ مجموعة من الإصلاحات لتفعيل الدور المنوط بها ،هذا الإصلاح الذي أعطاه جلالة المـــــــــــلك مفهوما جديدا من خلال خطابه الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية لسنــة 2010 و المتمثل في " القضاء في خدمة المواطن " و ذلك إيمانا منه بالمزايــــا و الضمانات التي يحمله هذا المشروع الإصلاحي الساعي إلى الرقي بالــــــــعلاقة القائمة بين المؤسسة القضائية و العاملين بها من ناحية، وبين هؤلاء و عــــموم المواطنين من ناحية ثانية، بل ويظل المواطن العنصر الأهم في هذه العلاقة.
........................................................................................................................................

(1) لقد عمد المهتمون بالشأن القضائي إلى تعريف القضاء بناءا على معيارين :
- المعيار الوظيفي: ويعرف القضاء إنطلاقا من الدور المنوط به باعتباره المؤسسة الفاصلة في النزاعات القائمة بين مكونات المجتمع ( أشخاص طبيعيين أو معنويين ) عن طريق أحكام و قرارات مبنية على محاكمة عادلة و التي تظل واجبت التنفيذ لإلزاميتها ولو عن طريق القوة و الإكراه وفق الشكليات و المساطر المنصوص عليها قانونا.
- المعيار العضوي :و يعرف القضاء من خلال مكوناته الأساسية من قضاة،و كتابة اضبط، وإدارة مركزية،وباقي مساعدي القضاء.....


.....................................................................................................................................

و تكريسا لمسلسل الإصلاح فقد عمد المشرع إلى تبني مجموعة مـــــــــن التعديلات في المنظومة القانونية مسايرة للتطورات و المتغيرات الـــــــــتي يعرفها المجتمع،أهمها التعديلات التي طالت التنظيم القضائي للمملكة سيما ما بات يصطلح عليه ب" قضاء القرب " و الذي يظل في نظرنا الشخـــصي من الوسائل التي ستعطي المعنى الحقيقي لمفهوم القضاء في خدمة المواطن على أرض الواقع.
و لا أحد يجادل اليوم أو ينازع في الدور الفعال و الحيوي الذي تضطلع به هيئة كتابة الضبط (2) داخل المنظومة القضائية،حيث أصبح الإعتراف بهـــذه الحقيقة من البديهيات التي تفرض نفسها على كل متعامل مع المحاكم، فهـــي ليست بمؤسسة حديثة ولا دخيلة على النظام القضائي المغربي إذ أننا نجــــد لها جذورا في النظام القضائي الإسلامي الذي لايستكمل كل مقومـــــــــاته إلا بحضور الكتاب الذين يكتبون ما جرى بين الخصوم،و تدوين ما توجب لـــهم من حقوق و ما يتحملونهم من التزامات.
و لا مبالغة إن سايرنا القائلين بأن كتابة الضبط هي الـــــــــعمود الفــــقري للمحكمة و قلبها النابض (3) مادام القضاء لايستطيع القيام بدوره علـــــى أتم وجه و تأدية الرسالة المنوطة به من دون هذا الجهاز المهم، فكتابة الــضبط تتدخل في العمل القضائي في كافة النواحي و المراحل بدءا بمرحلة إعـــــداد القضايا، مرورا بمرحة مواكبتها أثناء سيريانها أمام المحكمة ، ليمتد الـدور إلى ما بعد صدور الأحكام أي مرحلة التنفيذ.
كما أن هذه الأهمية تظهر جليا في كون هيئة كتابة الضبط هي الواجـــــهة الأمامية للعلاقة الرابطة بين المحـــاكم و الوافدين عليهــــا و ما يعنيــــه ذلك التفاعلات و الإنفعالات التواصلية بكل مكوناتها.
و لكون هذه الهيئة تعد من الأوراش المعنية بالإصلاح نهوضـــــا بـــــــدور القضاء من جهة، و نظرا لما تحظى به كتابة الضبط داخل أسرة الــــــــعدالة
لدرجة أن جلالة الملك ربط بين النهوض بأوضاعها و إصلاح القطـــاع وذلك بوضع نظام أساسي محصن و محفز خاص بها (4) من جهة ثانية. فسنعمــــل على الحديث عن هذا الجهاز و دوره في تفعيل مبدأ " القضاء في خـــــــدمة المواطن " من خلال إعطاء بعض المقترحات العملية المســــــاعدة في ذلك، لكن قبل التطرق لهذه النقطة سنسلط الضوء أولا علـــــــى المسيــــــــــــــرة
..................................................................................................................................

(2) تنظم هيئة كتابة الضبط بالمغرب بمقتضى المرسوم رقم 2.11.473 الصادر بتاريخ 15 شوال 1432 الموافق ل 14 شتنبر 2011 بمثابة النظام الأساسي لها
(3) المهن القضائية: عرض للأستاذ محمد رفيق، منتدب قضائي بمحكمة الإستئناف بمراكش
(4) خطابه المؤرخ في 29 يناير 2003
................................................................................................................................

الإصلاحية التي عرفها قطاع العدل، كنقطة بداية لمشروع الإصلاح بمفهومه الجديد،ثم بعدها نتطرق للحديث عن مؤسسة قضاء القرب
كنموذج تطبيقي لقضاء في خدمة المواطنين ،وكذا مكانة السلطة القضائية ضمن الدستور الجديد للممكة.
و عليه سنتناول هذا الموضوع من خلال فصلين أساسين كالتالي :
الفصل الأول: القضاء في خدمة المواطن
الفصل الثاني: دور كتابة الضبط في تفعيل المبدأ




الفصل الأول





ا لقضاء في خدمة المواطن













إلماما بهذا الفصل من كل النواحي سنتناوله من خلال مباحث أربعـــــــة نخصص الأول للحديث عن مشروع الإصلاح القضائي كنقطة البدايــــــــة، و الثاني للمفهوم الجديد لإصلاح القضاء،بينما نتطرق في المبحث الثالـــث إلى قضاء القرب، و أخيرا الإشارة إلى أهم المستجدات التي أتى بهــــــــــا الدستور الجديد للمؤسسة القضائية.

المبحث الأول: مشروع الإصلاح القضائي

يعتبر إصلاح القضاء من الأمور و القضايا التي أسالت العديد من الأقلام المهتمة بالشأن القضائي بالمملكة، و من مواضيع الساعة التي ما فتئت كل الفعاليات الحقوقية و السياسية و الفكرية تدعوا إليه لما يحظى به القضــاء من أهمية قصوى تتجلى في كونه يعد من الدعامات الأساسية لدولة الــحق و القانون،و ترسيخ قيم حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا. كمــــا أن الصرح الديموقراطي في الدولــــــة يستوجــــــب وجود عـــــدالة متميزة بالإستقلالية و النزاهة و الحياد حتى تستطيع فض كل النزاعات و الخلافات القائمة بين الأفراد و الجماعات و الدولة إحقاقا للحق و رفعا للظلم و إرجاع المظالم إلى أهلها،لأن الهدف من كل ذلك هو إنجاح الأوراش الإجتمـــــاعية و الإقتصادية و السياسية و المدنية للدولة.
و من أجل الوصول إلى إصلاح قضائي شامل و حقيقي فقد اتتفق أغلـــب المهتمين على نقاط أساسية يجب تحقيقها حتى يمكن الوصول ما أمـــــكن للهدف المنشود من المشروع الإصلاحي و التى يمكن أن نلخصها فــــــي النقاط العريضة التالية :
أولا: إستقلال القضاء
يعد موضوع إستقلال القضاء أهم المواضيع التي حظيت بإجماع الكـــــــــل باعتباره الشق المختزل لمضمون الإصلاح،ونعتقد جازمين أن الغاية مـــــــن
تبني المشروع الإصلاحي للقضاء إنما يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيــــــــق الإستقلالية أولا وأخيرا لهذه المؤسسة الحيوية في كيان الدولة.
و لقد تعددت الأطروحات و وجهات النظر التي سعى من خلالها أصحابهــــا إلى إعطاء السبل و المقترحات للوصول إلى هذه الإمكانية فتم الــــتركيز أولا على مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء حيث رفعت الأصوات من أجل إعــادة النظر في تأليفه و ما أثاره ذلك من جدل واسع،فإن كانت رئاسة المجـــــلس الموكولة للملك لا تثير أية إشكالية كما هو الحال بالنسبة لمختلف الدول. فإن عكس ذلك يحصل حين الحديث عن عن وزير العدل بصفته عضوا في السلطة التنفيذية،والحال أن من الضمانات الأساسية لإستقلال القضاء تتمثل فـــــــــي الفصل بين السلطة القضائية و السلطتين التشريعية و التنفيذية . و بالتالـــــي و جب إسناد النيابة عن السلطة الدستورية الأولى التي هي الملك للقضـــــــاة أنفسهم.
كما أن الإستقلالية قد ربطها البعض(1) بسلوك القاضي و شخصيته،و اعتبر
أن النصوص القانونية تبقى غيرذي أهمية إن كان القاضي الـــــذي ســـــوف يطبقها غير أهل لذلك.أي أن صفات القاضي الشخصية هي الـــــتي تـــــــحقق الأستقلال للقضاء قبل النصوص الدستورية و القانونية.
و في هذا الإطار فنحن نشاطر – و بكل إلحاح - رأي القائلين بضـــــــــرورة الإلتفات للحالة المادية و الإجتماعية للسادة القضاة،لأن عجز الـــــقاضي عن
تلبية حاجياته و حاجيات أسرتة اليومية قد يجعل مناعته تضـــعف ضــــــــــد الإغراءات و المؤثرات،و بالتالي المساس باستقلاليته و استقلالية القضــــاء ككل.
إجمالا فاستقلال السلطة القضائية إن توفرت فنتائج ذلك ستترجم إلى ضمان الإستقرار السياسي و الرقي بالعدالة التي تعتبر العنصر الحاسم في تنــــــمية إقتصاديات قوية و منيعة و مشجعة للإستثمارات الوطنية و الأجنبية،و دفعــا بعجلة النمو الإقتصادي و التطور الإجتماعي و السياسي للبلاد.
ثانيا: الترسانة القانونية
لقد أصبح تعديل القواعد القانونية أمرا حتميا حتى تكون أكثر انسجامــــا و متطلبات العصر و ملائمتها للمواثيق و الإعلانات الدولية المتعلقـــــــــة بحقوق الإنسان،و يعد الدستور المـــــــغربي من المواد(2) التي حظيــــــــت بالأولوية باعتباره أسمى قانون فــــي الــــــدولة . فتعديله وفق ما يــــخدم المصلحة القضائية سيكون الخطوة الحاسمة نـــــــحو تحــــقيق الإصــلاح المنشود،و من بين ما تمة الدعوة إليه في هذا الإطار التنصيص صراحـــة على السلطة القضائية كسطة مستقلة ،و تعميم الحماية من العزل و النــقل إلا بمقتضى القانون ليشمل القضائين الواقف (النيابة العامة) و الجالــــس
.................................................................................................................................

(1) ذ/ محمد الأعرج.إصلاح القضاء و ضمان استقلاله.المجلة المغربية لللسياسات العمومية،العدد 07 ص 09
(2) من هذه المواد التي طالها النقاش بحدة كذلك قانون المسطرتين المدنية و الجنائية،و التنظيم القضائي للمملكة،و القانون الجنائي
و استبعاد وزير العدل من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء مع تمتيع الأخير باستقلال مالي و إداري.
.....................................................................................................................................
ثالثا: تقوية دورالمفتشية العامة لوزارة العدل
و ذلك بتمكينها من كافة آليات التفتيش القضائي و تعزيز دورها الريادي في النهوض بقطاع العدل ،و نشر تقاريرها السنوية مع جعلها محطة للنقـــاش و الحوار البنائين من طرف كافة المعنيين للوصول إلى الحلول البديلـــــــــة لأي معيقات قد توجد في سبيل المشوار الإصلاحي، و لأجل تشجيع محاكم المملكة و الدفع بها نحو البحث و الإبتكار من خلال التعريف بمجهوداتها و مكافــــــأة الأفضل فيها،مع نشر ذلك بغية خلق جو من المنافسة الشريفة فيما بينها.

رابعا: الطاقات البشرية
بالإضافة إلى ما قلناه بخصوص ضرورة تحسين المستوى المـــــــــــــادي للقضاة،نودي بتمتيع هولاء بضمانات أساسية أخرى تتجلى في منـــــــحهم الــــحق في التعبير و الأجتماع و تأســيس الجمعيات،مع الموازاة مع إصلاح الهيئة الأخرى التي لا تقل أهمية و بذات الوسيلــة و التي هي هيئـــــة كتابة الضبط .دون التغاضي بطبيعة الحال عن باقي أفراد أسرة العــــــدالـــــــــــــة كالسادة المحامين و الـــعدول و الـــــــمفوضين القضـــائيين و الموثقين...مع إدخـــال الـــــكل في ورشات الــــــدورات التكوينية الأساسية و المستمرة بما يكفل تطــــــوير القدرات المهنية لهم و جعلــــــها مواكبة لكافة المسجــــــدات و التطورات الوطنية و العالمية،مع الإنفتاح على التجارب الناجحة للـــــــدول الرائدة في هذا المجال.
وخلاصة القول فسيادة العدل و حماية الحقوق و الحريات و تحقيق التنمية و الديموقراطية يتطلب شروطا أساسية تتمل في استقلال السلطة القضائية و حيادها، و نزاهة واستقامة قضاتها،وذلك لن يتأتى تحت ظل أنظمة تفرض خضوع القضاة لسلطتها السياسية،و من تم فإنه لا يمكن فصل الديموقراطية عن القضاء،كما لا يمكن فصل نمو الإستثمارات و تحقيق التنمية عن استقلال السلطة القضائية(3).


............................................................................................................................
(3) د.أحمد مفيد.الضمانات االدستورية والقانونية لاستقلال السلطة القضائية.المرجع السابق ،ص 23

.............................................................................................................................
المبحث الثاني: المفهوم الجديد لإصلاح القضاء

يحتل قطاع العدل مكانة خاصة لدى جلالة الملك الذي يولـــــــــيه عنايته السامية،و أكد جلالته مرارا عزمه على مواصلة إصلاح القضاء ليستجيب لمتطلبات العدل و التنمية باعتبار أن دولة الحق و المؤسسات لا يمــــــكن ترسيخ دعائمها و تقوية أسسها إلا بوجود قضاء عادل و نزيه يقــــــــــوم بالدور المنوط به على أحسن وجه.
و نظرا لما يكتنف مفهوم العدالة مــــــن غموض،إذ تضــــاربت الآراء و الأطروحات و وجهات النظر بخصوصه،حيث أعطاها البعض بعدا سياسيا تهدف إلى حماية الحريات السياسية و الحقوق الطبيعية. بينما أعطــــــاها البعض الآخر بعدا إقتصاديا باعتبارها تسعى إلى التوزيع العـــــــــــــــــادل للثروات،في حين ربطها آخرون بالدور الذي تقوم به في محاربة الجريمة و حماية المجتمع.
و في خضم هذا الزخم من التعريفات المتنوعة للعدالة،قدم جلالة الملك إقتراحا آخر و مفهوما جديدا للعدالة،هذا المفهوم الذي لم يأتي من فــراغ أو عدم، وإنما كمرحلة متقدمة و ناضجة لمسلسل إصلاحي نهجته البــلاد بطريقة جديدة و جدية منذ إعتلال جلالة الملك لعرش أسلافه المياميــــــن.
و قد كشف جلالته عن هذا المفهوم في خطابه السامي بمناسبة افتتــــاح الدورة الأولى من السنة الرابعة من الولاية التشريعية الثامنة و الذي هــو " القضاء في خدمة المواطن ". حيث أوضح جلالته بهذا الخصوص أنه << و على غرار مبادرتنا للمفهوم الجديد للسلطة الهادف لحسن تدبيــــــــر الشأن العام فقد قررنا أن نؤسس لمفهوم جديد لإصلاح العدالة ألا و هـــــو "القضاء في خدمة المواطن">>
كما أكد أن السلطة القضائية بقدر ما هي مستقلـــة عـــــن الجهـــــــازين التشريعي و التنفيذي ،فإنها جزئ لا يتجزأ من سلطة المملكة،وسيـــــــادة قوانينها،و حماية حقوق التزامات المواطنة.
و ألح جلالة الملك في هذا الصدد على << أن حسن تنفيذ مخططنــــــــا للأصلاح العميق و الشامل لمنظومة العدالة،لا ينحصر فقط في عمـــــــــل الحكومة و البرلمان ، إنما هو رهين،أساسا ،بالأداء المسؤول للقضاة >>
كما أضاف أنه << تجسيدا لعزمنا الراسخ على توطيد سلطة الدولة علــى دعائم سيادة القانون،وسمو القضاء الفعال،فإننا نؤكد على أن المفهـــــوم الجديد للسلطة الذي أطلقناه في خطابنا المؤسس له بالدار البيضاء فـــــي أكتوبر 1999 يظل ساري المفعول >>
و في ذات السياق قال وزير العدل السيد محمد الطيب الناصري يوم 11 أكتوبر 2010 أن مفهوم القضاء في خدمة المواطن الذي أعلن عنـــــــه جلالة الملك محمد السادس يكرس في الواقع البعد الإجتماعي للقضــــــاء باعتباره الساهر على سيادة القانون و الضامن لحماية حقوق و التزامات المواطنة،و كذا العامل الفعال للإسهام في تحقيق التنمية.
كما أوضح السيد وزير العدل في كلمة ألقاها بمناسبة التوقيع علــــــــى إتفاقية ثلاثية الأطراف(4) تتعلق ب"برنامج دعم تطبيق مدونة الأسرة من خلال تطوير ولوج النساء إلى خدمات العدالة" أنه تنفيذا للتوجيهــــــــات الملكية السامية فإن مفهوم "القضاء في خدمة المواطن" هو منطـــــــلق برنامجنا و عليه تتمحور مخططاتنا، و إليه ترمي أهدافنا ،و نعمل فــــــي وزارة العدل على تحقيقه على أرض الواقع من خلال إجراءات ملموســـة، و خطط مضبوطة.مضيفا أن الخطاب الملكي السامي المذكور يشكل دفعـــة قوية ،جديدة لإصلاح العدالة ينضاف إلى توجيهات جلالـــــته المتعلقـــــــة بالإصلاح الشامل و العميق لمنظومة العدالة الذي أعلن عنه في الخطاب التارخي ليوم 20 غشت 2009
و في ذات المنحى صرحت السيدة نزهة الصقلـــــي وزيرة التنميـــــــــــة الإجتماعية و الأسرة و التضامن بمناسبة التوقيع على على الإتفاقيـــــــــة المذكورة بأن مفهوم القضاء في خدمة المواطن الذي أعلنه جلالة المـلك يعتبر إشارة قوية للأهمية القصوى التي تكتسيها العدالة في مسار بنــــاء دولة الحق و القانون ،مضيفة أن المفهوم الجديد هذا يساهم في تعزيـــــز مشروع بناء مجتع حداثي و ديموقراطي،و تقوة دينامية إحترام حقــــــوق الإنسان.
و بالرجوع إلى الخطاب الملكي المؤسس للمفهوم الجديد لإصــــــــــلاح القضاء سنجده يؤسس هذا المفهوم على مرتكزات و دعائم أساسية تشكل الأهداف المتوخات من تبنيه. و التي إعتبرها الأستاذ سعيد بورمان(5) قــد جاءت لتحل محل ممارسات سلبية كانت سائدة،في محاولة لتجاوز الواقع الذي نعيشه و تعقيداته.
هذه الأهداف التي حددها جلالته حين قال بأن الهدف المتوخى من جعــل
...........................................................................................................................

(4) المتمثلة في وزارتي العدل و التنمية الإجتماعية و الأسرة و التضامن، و صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة لشمال إفريقيا

(5) رئيس المكتب الجهوي للمفوضين القضائيين بمحكمة الإستئناف بالدار البيضاء. مقال له بعنوان < كفى ... لنتصالح مع عدالتنا > منشور في جريدة الصباح بتاريخ 19 أكتوبر 2010

...................................................................................................................................
القضاء في خدمة المواطن هو << قيام عدالة متميزة بقربها مـــــــــــن المتقاضين،و ببساطة مساطرها و سرعتها،ونزاهة أحكامها ،و حداثة هياكلها،و كفاءة و تجرد قضاتها،و تحفيزها للتنمية،و التزامها بسيادة القانون في إحقاق الحقوق و رفع المظالم >>.
و إغناءا لهذا لفصل سنتناول هذه الأهداف المسطرة أعلاه بنوع من التفصيل مخصصين لكل هدف مطلبا منفردا.

المطلب الأول: عدالة قريبة من المتقاضين

إن الحديث عن عدالة متميزة بقربها من المتقاضين لا يعني فقط إعطائها أبعادا مكانية محضة فحسب،أي جعل العدالة -كمؤسسة- قريبة من التجمع السكني للمواطنين تيسيرا لهم للولـــوج لخدماتها،و رفع العسر و المشقـة التي يتسبب فيه بعد المحاكم عنهم.
فبالإضافة لهذه القيمة المضافة التي أتى بها المشرع مؤخــــــــــــرا(6) و ماتحمله من مزايا تقريب الإدارة من المواطنين، فقرب العدالة المنصوص عليها في الخطاب الملكي السامي تعني كذلك –و بالضرورة- تعزيز مكانة المواطن و الرفع من قيمته، و الإيمان بأنه العنصر الهدف من إنشاء هــذه المؤسسات،و المستحق من الخدمات أجودها وأرقاها. و لأجله يجـــــب أن ينبني ذلك لدى مقدم الخدمة هاتة على واجب مهني قائم على النظـــــــــــم و القوانين،و على واجب أخلاقي مبعثه الشرف و الضمير.و لــــــــيس أن يعتبـــر واجبه هذا صدقة يجود بها على من يشاء،و يحرمها ممن يشــاء، و كأنـــه السيد و المواطن ليس إلا مجرد عبد !!
و بالتالي وجب نهج حسن الإستماع لهؤلاء المواطنين، و تعريفــــهـــم بمختلف الخدمات المتوفرة،و إرشادهم نحو قضاء مآربهم بمرونــــــــــة ويسر(7)

.................................................................................................................................
(6) ونقصد هنا مؤسسة قضاء القرب التي أتى بها التنظيم القضائي الجديد للمملكة،و التي يسعى المشرع من وراء إحداثها تفادي الإنتقادات الجمة الموجهة لمحاكم الجماعات و المقاطعات.
للإطلاع على وجهة نظر أستاذنا عبد الكريم الطالب بخصوص محاكم الجماعات و المقاطعات،راجع مؤلفه التنظيم القضائي المغربي طبعة يونيو 2006 ص 21_22
(7) و طبعا على القائم بهذا الواجب الإلتزام بالضوابط التي من شأنها جعله لا يتعدى مهامه و تبني مهمة الإستشارات القانونية التي تبقى من إختصاصات السادة المحامين.
راجع بخصوص هذا المادة 30 سيما الفقرة 5 من القانون رقم 28/08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة،الصادر بتفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 شوال 1429 الومافق ل 20 أكتوبر 2008
.......................................................................................................................
كما يجب من ناحية أخرى إعادة النظر في بعض المهام وذلك بتقليــص عدد المتدخلين في القضية الواحدة،إذ لا يعقل تدخل عدة أشخاص فــــــي قضية قد يكفي فيها شخصين على الأكثر.
والأخذ بما سلف لا ينبغي له أن يكون موسميا أو مؤقتا(Cool ، وإنمــــــا أن يظل مستمرا و قائما، بل و أن يعتبر منهجا عمليا،و نظاما واجب التطبيق يحمل على ذات الأساليب التي تصرف به الأشغال اليومية.
و تجدر الإشارة إلى أن و وزارة العدل قد اتخذت قرار إحالة ملفــــــــات الأرشيف بمحاكم المملكة إلى المراكز الجهوية للحفظ،فعلى مستـــــــــــوى الدائرة القضائية لإستئنافية ورزازات فالأعمال جارية من أجل إحالـــــــــة ملفات الأرشيف إلى المركز الجهوي مراكش-أكادير المتواجد بمدينــــــــة مراكش.و ما يثيره ذلك من تخوفات لدى المواطنين قاطني هذه الــــــدائرة القضائية،إذ تتطرح عدة تساؤلات حول الكيفية و المدة الزمنية التـــــــــي ستحال بها و فيها الملفات المطلوبة من طرف المحكمة لضروريتهــــــا أو لإرتباطها بملفات رائجة كملفات الغرفة المتعلقة بإدماج العقوبات الــــــتي تتطلب توفر الملفين موضوع العقوبتين المطلوب إدماجهما حيث نـــــــرى المحكمة تطلب ضم الملفين للبث في الطلب.وكل ذلك و ما يثيرة من إشكال إستجابة المركز لطلبات إرسال الملفات بالسرعة المطلوبة،والحال أنــــــه يستقبل ملفات ثلاث دوائر قضائية!؟

المطلب الثاني: عدالة ذات مساطر بسيطة و سريعة

لقد أمست بساطة المساطر القضائية ضرورة ملحة حتى يكون بالإمكــان الدفع بعجلة الفصل في القضايا الطروحة على المحاكم نحو السرعــــــــة المطلوبة،إذ أن بساطة المساطر و السرعة في البث في النزاعات القائمة أمران متلازمان.
و لن تتمتع المساطر القضائية بالبساطة إلا حين يتم التقليــــــل مـــــــــن التعقيدات الشكلية التي يعتمد عليها في كثير من الأحيان على حســــــــاب المضمون الذي يكون سليما،فبعض هذه الجزئيات الشكلية قد تجعل مــــن المواطن يعود إلى النقطة الصفر ليببدأ مشواره من جديد و التــــــخوف لا يزال ينتابه إن كان قد صادف صواب الإجراءات الشكلية،أم أنه سيسقط

...........................................................................................................................
(Cool كنهج وزارة العدل لسياسة الأيام المفتوحة مرة واحدة سنويا
..........................................................................................................................
في براثين الإغفال من جديد!!
و قد نصادف نوعا آخر من التعقيدات حين نجد أن توقيع وثيقة كشــهادة التسليم من لدن شخص بعينه دون غيره إن تم التسليم مثلا داخل جـــدران المحكمة الواحدة.أو رفض أحد الموظفين تلقي تصريح بالتــــــــــعرض أو الإستئناف أو النقض بذريعة أن زميله بذات المكتب فلان هو المكـــــــــلف بذلك! مع أن الصلاحية قد تمنح لكليهما ما داما يتمتعان بصفة كاتــــــــــب الضبط(9).
و يرى ذ/ سعيد بورمان بهذا الخصوص في المجلس الأعلى (محكمــــــة النقض حاليا) مثال في تعقيدات وشكليات عريضة النقض ،مما يسوجــــب معه ضرورة خلق ثقافة قضائية جديدة تعتمد على بساطة المساطر، وذلك بجرد جوانب التعقيد سواء فيما يخص اللوجيستيك هل هو يستجيـــــــــــب للغرض الذي وجد من أجله، أو الوثائق والمطبوعات من حيت الشكــــــــل والمضمون،ثم بعد ذلك الكشف عن المساطر المعقدة لنصل إلى التحليـــــل باعتماد أفكار ملائمة مع تهييء البدائل والحلول أكثر فاعلية، وتحديـــــــد كيفية التتبع والمراقبة وإدخال التصحيحات ومن سيقوم بهــــا، وكـــل ذلك بهدف تيسير الحياة اليومية للمواطنين وتحسين علاقتهم مع القضاء مـــن جهة، وتسهيل نشاط المقاولة وتمكينها مــن المشاركة في التنميـــــــــــــة الاقتصادية من جهة أخرى، لأن تعقيد المساطر والإجراءات الطويلــــــــة والمتشعبة والآجال الممتدة تنشأ عنه حالات تنازعية بين القضــــــــــــاء والمواطنين وتكثر الشكايات والاحتجاجات والبحث عن البدائل، وبالتـــالي عرقلة نمو المقاولة وضعف الإنتاجية(10).
و على غرار الحديث عن بساطة المساطر القضائية،نقول أن السرعـــــة هي الأخرى متطبة في كافة مراحل الدعوى حتى نتمكن من إيصــــــــــــال الحقوق لذويها في الوقت المناسب من جهة،ولتدعيم أسس ثقة هؤلاء في الجسم القضائي من جهة ثانية،لأنه ليس من الإنصاف أن يركن مسلوبــوا الحقوق إلى الصمت و الإستسلام و التجرع من كأس الصبر على ما ضاع
................................................................................................................................

(9) نلاحظ غير ما مرة قيام بعض أطر كتابة الضبط (منتدبين و محررين) عند ملئهم لبعض المطبوعات المتعلقة مثلا بمحاضر التنفيذ،أو المطبوعات الخاصة بتلقي بعض طرق الطعن يشطبون على كلمتي كاتب الضبط ليضع بدلها إطاره الذي ينتسب إليه.
و في اعتقادنا بهذا الخصوص أن صفة كاتب الضبط واجبة الإستعمال في كافة الأشغال التي يقوم بها موظف هيئة كتابة الضبط بغض النظر عن الإطار الذي ينتمي إليه، فالمسطرتان المدنية و الجنائية لم تخاطباه إلا بتلك الصفة .أما الإطار الإصلي فيتم التعامل به في المراسلات الإدارية الشخصية، وكذا في الندوات و المؤلفات بعد إذن الوزارة الوصية.
...............................................................................................................................
(10) المرجع السابق
................................................................................................................................
منهم لمجرد يقينهم أن القضاء لن يزيد الطين إلا بلة،أو أنه في أحسن الأحوال لن يرد من الحقوق أكثر مما ضاع منها.
فالسرعة إذن شرط أساسي في المشروع الإصلاحي بمفهومه الجــــديد، والتي يجب أن تكون بدءا بمرحلة إعداد القضايا أي عدم إهمالهـــــــــــــا و التماطل في تسجيلها بالسجلات المعدة خصيصا لذلك بغية إحالتها إلــــى أقرب جلسة مقبلة،مرورا بإجراءات التبليغ إذ يجب إيصال الإستدعـــاءات لإصحابها داخل الآجال القانونية تفاديا لتأخير الملفات لذات السبب المتمثل في إعادة الإستدعاء لعدم التوصل كما أن المسؤولية تظل أيضا على عاتق الخبراء لأن الفصل في العديد من القضايا يبقى رهين تقاريرهم التــــــــــي كلفتهم به المحكمة.
دون أن ننسى طبعا دور القضاة و المستشارين في تحرير الأحكام فـــــي أوقاتها إذ أن نقطة تنفيذها تبدأ لحظة كون الحكم أو القرار محــــــــــــررا. و مرحلة التنفيذ تبقى أهم مرحلة إطلاقا لأن إنعدام التنفيذ أو التماطل فيـــه ـ و كما قال الملك الراحل الحسن الثاني رحمة الله عليه ـ يجر المرئ إلـــى تفكير آخر و هو إنحلال الدولة.(11)

المطلب الثالث: عدالة ذات أحكام نزيهة

لقد سبقت الإشارة إلى إلى أن موضوع إستقلال السلطة القضائيـــــــة قد إستأثر بالقدر الهام و الأكبر من اهتمام المعنيين بالإصلاح القضـــائي،هذه الإستقلالية التي وإن كرسها الدستور الجديد ضمن مواده،فإن نـــــــــزاهة الأحكام تعد الحصن الحصين لها،والتفعيل لها أيضا على أرض الـــــــواقع.
و نزاهة الأحكام تقتضي من قضاة الحكم ،وهم ينظرون في القضــــــــايا و الدعاوى المعروضة أمامهم الإعتماد على أسس واقعية متفقة مع ما هو منصوص عليه قانونا،دون أيـة قيــــــود،أو تــــــأثيرات،أو تهـــــديدات،أو إغراءات،أو ضغوطات مباشرة و غير مباشرة.
و يجب أن يظل مبعث ما أشرنا إليه أعلاه هو الرقابة الإلهية بالــــــدرجة الأولى، أي الخوف منه سبحانه و تعالى،ثم استحضار مبادئ الشـــــــــرف
...................................................................................................................................

(11)خطاب المغفور له الحسن الثاني بتاريخ 31 مارس 1982 بمناسبة اجتماعه بقضاة المملكة،ومن فقراته: " إن مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤولية كاتب الضبط، ومسؤولية المحامي ليست أجسم من مسؤولية القاضي ،والتنفيذ أكبر المسؤوليات .ذلك أن عدم التنفيذ يصل به الإنسان إلى استنتاجين : الأول: أن القضية لم تأخذ بعين الاعتبار في الموضوع ولو حكم فيها، وأعتقد أن المحكوم له أو المحكوم عليه ان هذا على صواب وهذا على خطأ فعدم التنفيذ والتماطل في التنفيذ يجر المرئ إلى تفكير آخر هو انحلال الدولة"
.......................................................................................................................................
و الضميرين الأخلاقي و المهني.وذلك قبل أتخاذ أي قرار من شأنــــــــــه المساس و لو بجزء يسير من حقوق المتقاضين الذين جــعلوا مصائـرهم، و مصائر عائلاتهم بين أيديهم.
فنزاهة الأحكام إذن تعد القلب النابض للجسم القضائي السليم،و هي الـــــحجر الأساس لمجتمع ديموقراطي قائم على آليات و ضوابط قانونية معتمــدة عــلــى سيادة الحق و القانون،كما انها من الأسباب الداعية إلى قوة الدولة العصـريــة و مناعتها . و المساهمة بشكل فعال في التنمية و الإزدهار، و تكريس الأمــــن و الإستقرا،و تنمية و الرقي بشخصية الفرد داخل محيـــطه الإجـتماعــــي،لأن القضاء العادل النزيه يكفل ضمان إحترام الذات الإنسانية،وحفظ التوازن بيــن مــختـــلف مكونات المجتمع،كما أن القضاة النزهاء هم النبراس المضــــــيء أمـــام الفســـــاد و المفسدين.



المطلب الرابع: عدالة ذات هياكل حديثة

لقد أراد جلالته تبسيط العلاقات بين الناس والمؤسسات القضائية فــي ظــل المتغيرات الضرورية، على أن تكون فاعلة ومؤثرة، وأراد تجاوز الــهياكــــل القضائية وتراكيبها التي حالت حتى الآن دون قيام بناء قانوني يعزز الهياكــل القانونية ورفع مستوى الأداء والجودة والخدمات القانونية والقضائية، ورغم الترسانة القانونية فإن آليات تطبيقها غير متوفرة بالشكل الكافي لغياب الوسائل التكنولوجية والإلكترونية التي تساعد على تحديث العمل الــقضائـي، ناهيك عن عدم وجود الأطر المؤهلة والمتخصصة تقوم بعمليات مــدققة لهــا علاقة بقوانين فنية وتقنية تتطلب وفرة المعلومات في مجـــــــال التـــجــــارة والأعمال والمالية والاستثمار(12)

المطلب الخامس: كفاءة القضاة و تجردهم

إن الحديث عن هذا المطلب يستدعي منا التطرق إلى نقطتين أولاهما كفاءة

....................................................................................................................................
(12) ذ/ سعيد بورمان،المرجع السابق
.....................................................................................................................................
القضاة،و الثانية لتجردهم اثناء مزاولتهم لمهامهم.
فبالنسبة للنقطة الأولى،فنرى أن الكفاءة الواجب توفرها في القـــاضــــي تستلزم أساسا متينا يتمثل في الإنتقاء الموفق للفئة التي ستتحمل جسامــة هذه المسؤولية التي ستلقى على عاتقهـم،و المتفهمة للرسالة التي يسـعى القضاء إلى تبيلغها،و الدور الواجب القيام به.
و في اعتقادنا المتواضع فالعمل داخل المؤسسة القضائية كقاض لــيــس بالأمر الهين أو اليسير،لما يتطلبه ذلك من حنكة و تجربةوممــــارســــــــة عملية،إلى جانب المعرفة العلمية النظرية،و لا نظن أن السنتين الــتــــــــي يقضيها الملحقين القضائيين الأحرار في التمرين كافية لجعلهم جاهزيـــــن بالشكل الكافي لتحمل أعباء مهنتهم الجديدة.و مــــــــن و جب إعادة النظر فـــــي هذه المدة الممنوحة لهذه الفئة،مع إعطاء الفرصة للعاملين داخــــل الفضــاء القضائي للولوج لمهنة القضاء بشروط تفضيلية، ككتــــــــــــاب الضبــــــــــــــــط، و المحامين،و المفوضين القضائيين،و العدول شريطة توفرهم علـــــــــــى الشواهد المطلوبة قانونا،و تجربة ميدانية لا تقــــــــل عشر سنوات(13).
وعليه يجب إعادة النظر في القانون المنظم لمبارة الملحقن القضائييــــن أخذا بعين الإعتبار ماسلف، إلى جانب شروطا أخرى كالسن المقترحــــــة و عدد المرات الممسموح بها لإجتياز هذه المباراة.
و الكفاءة تنبني على أسس و معايير يمكن إجمالها في القدرات المهنيــة و اللغوية و التنظيمية التي يتمتع بها القاضي ،والطريقة التي يتبعها فـــي تصريف الأشغال الموكولة إليه،و كذا المدة التي تقضيها القضايا بين يديه.
ثم جودة التعليلات التي يعطيها للأحكام و القرارات التي يتخذها،و بعدهــــا القدرة الإنتاجية التي يتمتع بها مقارنة بزملائه في العمل و ما يبذل فــــــي سبيل ذلك من جهد و عطاء.
و جدير بالذكر أن السلوك الشخصي للقاضي، و انضباطه و تعامله مـــن الغير و مظهره الخارجي (14) كلها دعائم لا تقل أهمية،ولها أثر فعال فـــــي

...............................................................................................................................
(13) نعتقد أن هذه المدة المقترحة تعد الأنسب لما ستوفره من تجربة و ممارسة هامتين لتعدد المساطر و القوانين من جهة،و ما ستوفره من نضج في الملكات العقلية للشخصمن جهة ثانية.
فإن كانت من الناحية العملية هذه هي المدة المتطلبة في المنتدبين القضائيين (السلم 10) المرشحين لتقليد مناصب مسؤولية رئاسة مصلحة كتابة الضبط أو كتابة النيابة العامة،فتقليد مسؤولية القضاء أولى بذلك.
(14) و قد قيل بأن لباسك يرفعك قبل جلوسك،و علمك يرفعك بعد جلوسك
....................................................................................................................................

بناء شخصية القاضي التي يجب لها،و عليها أن تفرض كل الإحتـــــــــرام و التقدير.
و لنا أيضا في المساهمات العلمية من مؤلفات و المشاركة في النـــدوات معيارا آخر لقياس كفاءة القضاة،و ما يساهم فيه ذلك من نشر الثقـــــــافة القانونية بأسلوب يجمع بين النظري و العلمي،عكس ما تقدمه لنــــــــــــا الدراسات الأكاديمية المحضة ـ و نحن لا ننكر أهمية هذه الدراســــــــات ـ
التي تركز على الجانب النظري و حسب.
و فيما يخص النقطة الثانية المتعلقة بالتجرد،فيمكن القول أنها تنبنــــــي الحياد و عدم انحياز القاضي و هو ينظر فيما يعرض أمامه من قضايا إلى فرد أو جماعة أو تيار معينين.
و التجرد في الواقع ليس إلا المرآة العاكسة لمبدأ اإستقلالية المفــــترض أن يتمتع بها الجهاز القضائي و المكرسة قانونا بمواد الدستور الجديـــــد، و التي تستوجب عدم الخضوع لأي مؤثرات كيفما كانت،و الإعتماد فقــــط على ما وصل إليه الوجدان الداخلي و القناعة الشخصية للقاضي و المبنية طبعا على الأسس الواقعية و القانونية للنازلة.
ولتفعيل مبدأ التجرد هذا لابد من تحقيق الضمانات الأساسية لذلك كــعدم جعل التنقيلات التعسفية،و الإجراءات الإنتقامية المؤثرة على الترقيـــــات و عدم الإستجابة لطلبات الإنتقال الشخصية متى توفرت شروطهــــــــــــا، و كــــــذا إرهاق القاضي بكــــــثرة التوضيحات عن قضــاياه، مطرقة فوق رأسه تهـــــدده على و جه الدوام.

المطلب السادس: عدالة محفزة للتنمية

يعرف مفهوم التنمية عدة تعاريف و مصطلحات يتدخل فيها مـــــا هــــو إجتماعي و اقتصادي ،بما هو سلوكي و حقوقي.غير أنه يمكن أن نعطيها تعريفا إجمليا يجعل منها مشروعا تنمويا تنهجه الدولة لمواجـــــــــــــــهة الوضعيات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للنهوض بها إلى مـــا هو أفضـــــــل و أكبر.و قد اتسع هذا المفهوم ليكتسي طابع الديمومة ليســـمى فيما بـــــــــعد بالتنمية المستدامة و التي تعني تحقيق الشروط المثاليــــــة لأجل خــلق ثروة إقتصادية هامة قصد توزيعها فيما بعد بشكل عادل يسمح فـــــي ذات الآن بالحفاظ على الموارد الطبيعية و استعمالها دون اســـراف أو تبذير قصـــــد محاربة الفقر و التهميش الإجتماعيين.
فقبل أن يقول جلالة الملك بضرورة تحفيز العدالة بمفهوم الإصــــــــلاح القضائي الجديد للتنمية،فقد ربطها سابقا بهذه التنمية إذ صرح فـــــــــــي الخطاب الذي ألقاه سنة 2002 بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلـــــى للقضاء بأن << الأهمية القصوى التي نوليها لإصلاح القضاء و تحديثــــه و تأهيله للإسهام الفــــعال في المشروع المجتمعي الديموقراطـــــــــــــي الحداثي>>.كما أكد جلالتــــــه في ذات الخطاب أن العاملين في قطاع العدل أنفسهم يتحملون مسؤولية إصـــــلاح جهاز العدالة الذي يتوقف عليــــــه كسب رهــان الديموقراطيـــة و التنمــــية.
و لا يخفى ما للقضاء من دور مهم و مؤثر في التنمية لتدخله في مختلف مناحي الحياة الفردية و الإجتماعية،ونظرا لكون هذه النقطة تعد في حــــد ذاتها موضوعا مستقلا لا يسع هذا المطلب الإلمام بكل جوابه،فيكفينــــــــا التطرق إلى بعض جوانب التنمية التي يتدخل فيها القضاء،إذ يقال بأن مــا لا يدرك كله لا يترك جله.
فالتنمية تتطلب شروطا أساسية أولها وأهمها السلم الإجتماعي الـــــــذي يجب أن يطبع كل مقومات الدولة حتى نتمكن من النهوض و الرقي بــــها، هذا السلم الإجتماعي الذي لا يمكن أن يكرس إلا بوجود مؤسسة قضـــائية قوية و نزيهة، لأن بقاء النزاعات قائمة،و انشار الظلم مــــن شأنـــــــــــه تشــــجيع الإضطراب داخل المجتمع و سيادة ثقافة الإنتقام و أخذ الثــــــأر الشخصــي أو القبلي.
كما أن الجانب الإقتصادي له علاقة بالقضاءما دام أن الأخير يسعى إلــى حماية الطرف الضعيف في العلاقات الإقتصادية،و قوة العدل طريق إلـــــى جلب الإستثمارين الوطني و الأجنبي.
و لا تخفى أيضا أهمية القضاء و دوره في حماية لأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع،والخلية الأولـــــى للتمنية سواء كانت الأسرة تـــوصف بكونها منتجة للقيم الإجتماعية،أو بوصفها فاعل إقتصادي فـــي الإنتـــــاج و الإستهلاك و الإدخار...إلخ
و عموما يمكن القول أنه كلما انتقص من استقلال القضاء وقوته فان حقوق الأفراد والهيئات تكون مهددة وبالتالي فان الشعب يكون متخلفاً عن ركب الحضارة، والقضاء المستقل عن السلطتــين التــشريعية والتنفيذية هو الضمانة لجميع أفراد المجتمع وهيئاته.

إذن لا يمكن أن نتصور تنمية وحضارة بدون قضاء عادل وقــوي ومستقل. وكم أعجبني كلام كسرى حين قال: لاملك بدون جند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بالرعية، ولارعية إلا بالعدل.

المطلب السابع: عدالة ملتزمة بسيادة القانون في إحقاق الحقوق و رفع المظالم

و هذا يعني أن الفصل في المنازعات قصد رفع الظلم و إرجاع الحقوق إلى أهلها يجب أن يقوم على القانون المـدون،لا علـــى مجرد الأعـــراف و التقاليــــد.
ولا يخفى أن القانون يجب أن يصدر عن سلطة تشريعية منتخبة من طرف الشعب عن طريق انتخابات حرة ونزيهة،و يبقى الهدف من وراء إقرار القوانين ـ كما هو معلوم ـ هو محاربة الفوضى و الإستبداد،و لأجــــــل استتباب الأمن و الإستقرار.
و لسيادة القانون يجب الأخذ بعين الإعتبار المعايير الخمس التاليــــة:
1ـ إعمال مبدأ << لا مخالفة إلا بالقانون >>
2ـ نشر القانون بالجــــريدة الرسمية حتي تصبح أحكــــامه سارية عــــلى الجميع.و بالتالي نجـــد في هـذا الخصـــــوص إعمال القاعــدة القـــانونية المشهورة " لا يعذر أحد بجهله للقانون " ما دام أن هذا النشر يعد بمثابة إعلان بصدور القانون و افتراض علم الجميع به.
3ـ عدم الحكم على أي شخص دون إجراء قانوني سليم،و في محــــــاكمة علنية أمام جهاز قضائي مستقل.
4ـ مساواة جميع المواطنين أمام القانون.
5ـ صدور قانون عن مشرع منتخب في انتخابات نزيهة عامة و سريــــــة نابعة عن إرادة الشعب.
و عن السؤال المطروح بخصوص مقومات العدالة القادرة على تثبيــــث مبدأ سيــــاد القانون يجيب ذ/ سعيد بورمان(15) علـــى ذلك بثلاث قــــواعد أساسية و جوهرية كمايلي :

...............................................................................................................................
(15) المرجع السابق
....................................................................................................................................
ـ القاعدة الأولى: وجوب إصدار الأحكام وفق قواعـــــــد قانونية صــــادرة عــن السلطة التشريعية.
ـ القاعدة الثانية: عدم التدخل لدى القضاة،أو تعديل أحكامـــهم من طـــرف إحدى السلطتين التشريعية و التنفيذية.
ـ القاعدة الثالثة: إحترام حقوق الدفاع،و العمل بقاعدة " المتهم بـــــــرئ حتى تثبت إدانته".

(تابع الجزء الثاني)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
القضاء في خدمة المواطن... و دور كتابة الضبط (الفصل الأول/الجزء الأول)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى موظفي العدل :: منتدى التكوين المستمر :: منتدى العروض والمواضيع التكوينية-
انتقل الى: